محمد بن جرير الطبري

10

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

لك على صدق ما تقول إن كنت من الصادقين يعني : إن كنت صادقا في أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا ، فإن الرب الذي فعل ما تقول بك لا يتعذر عليه إرسال ملك من ملائكته معك حجة لك علينا وآية لك على نبوتك وصدق مقالتك . والعرب تضع موضع لوما لولا ، وموضع لولا لوما ، من ذلك قول ابن مقبل : لوما الحياء ولوما الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري يريد : لولا الحياء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : نزل عليه الذكر قال : القرآن . القول في تأويل قوله تعالى : ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ) اختلفت القراء في قراءة قوله : ما ننزل الملائكة فقرأ عامة قراء المدينة والبصرة : ما تنزل الملائكة بالتاء تنزل وفتحها ورفع الملائكة ، بمعنى : ما تنزل الملائكة ، على أن الفعل للملائكة . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : ما ننزل الملائكة بالنون في ننزل وتشديد الزاي ونصب الملائكة ، بمعنى : ما ننزلها نحن ، والملائكة حينئذ منصوب بوقوع ننزل عليها . وقرأه بعض قراء أهل الكوفة : ما تنزل الملائكة برفع الملائكة والتاء في تنزل وضمها ، على وجه ما لم يسم فاعله . قال أبو جعفر : وكل هذ القراءات الثلاث متقاربات المعاني وذلك أن الملائكة إذا نزلها الله على رسول من رسله تنزلت إليه ، وإذا تنزلت إليه فإنما تنزل بإنزال الله إياها إليه . فبأي هذه القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ فمصيب الصواب في ذلك ، وإن كنت أحب لقارئه أن لا يعدو في قراءته إحدى القراءتين اللتين ذكرت من قراءة أهل المدينة والأخرى